ابو القاسم عبد الكريم القشيري
38
لطائف الإشارات
ثم على مقتضى أصولهم في الجملة - لا في أخذ الزكاة - للفقر مراتب : أوّلها الحاجة ثم الفقر ثم المسكنة ؛ فذو الحاجة من يرضى بدنياه وتسدّ الدنيا فقره ، والفقير من يكتفى بعقباه وتجبر الجنة فقره ، والمسكين من لا يرضى بغير مولاه ؛ لا إلى الدنيا يلتفت ، ولا بالآخرة يشتغل ، ولا بغير مولاه يكتفى ؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « اللهم أحيني مسكينا وأمتنى مسكينا ، واحشرنى في زمرة المساكين » « 1 » وقال صلى اللّه عليه وسلم « أعوذ بك من الفقر » لأن عليه بقية « 2 » ؛ فهو ببقيته محجوب عن ربّه . ويحسن أن يقال إن الفقر الذي استعاذ منه ألا يكون له منه شئ ، والمسكنة المطلوبة أن تكون له بلغة ليتفرّغ بوجود تلك البلغة إلى العبادة ؛ لأنه إذا لم تكن له بلغة شغله فقره عن أداء حقّه ، ولذلك استعاذ منه . وقوم سمت همهم عن هذا الاعتبار - وهذا أولى بأصولهم - فالفقير الصادق عندهم من لاسماء تظله ولا أرض تقلّه ولا معلوم يشغله ، فهو عبد باللّه للّه ، يردّه إلى التمييز في أوان العبودية ، وفي غير هذا الوقت فهو مصطلم عن شواهده ، واقف بربّه ، منشق عن جملته . ويقال الفقير من كسرت فقاره - هذا في العربية . والفقير - عندهم « 3 » - من سقط اختياره ، وتعطلت عنه دياره ، واندرست - لاستيلاء من اصطلمه - آثاره ، فكأنه لم تبق منه إلا أخباره ، وأنشدوا : أمّا الرسوم فخبّرت أنهم رحلوا قريبا ويقال المسكين هو الذي أسكنه حاله بباب مقصوده ، لا يبرح عن سدّته ، فهو معتكف بقلبه ، لا يغفل لحظة عن ربّه .
--> ( 1 ) الترمذي ، وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري ، والحاكم وقال صحيح الإسناد ، ورواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن عبادة بن الصامت . ( 2 ) التفت السهروردي إلى ذلك حين ميز بين الفقير والصوفي فقال إن الفقير يتطلع إلى الأعواض ، أما الصوفي فيترك الأشياء لا للأعواض الموعودة بل للأحوال الموجودة فإنه ابن وقته ، والفقير له إرادة في اختيار فقره ، أما الصوفي فلا إرادة بنفسه ولكن فيما يوقفه الحق ( عوارف المعارف ص 42 ) . ( 3 ) أي عند أرباب الأحوال .